سميح عاطف الزين
241
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وقد رأينا أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعدما أتاه الوحي ذهب إلى أهله مسرورا ، مستبشرا مطمئنا ، إلّا أن قطع مسافة ثلاثة أميال في مسالك وعرة ، وهول الرؤية لأول مرة للملك جبرائيل عليه السّلام قد أتعباه فطلب أن يدثروه لينام . . ولكن السيدة خديجة لم تهدأ ، ولم تسكن ، بل ظلت تدور من حول زوجها في جذل « 1 » لم تذق طعمه من قبل ، وقد أيقنت أن زوجها هو نبي اللّه ، ورسوله . ولكن أليس هذا الأمر حدثا عظيما ، وشيئا جديدا في بيتها الزوجي ؟ وهل يمكنها أن تبقى ساكنة دون أن تعرض هذا النبأ العظيم على إنسان عالم ، يستطيع أن يحيطها بأخبار النبوة ، وما قد يترتب على عاتق زوجها من أعباء ثقيلة ، خاصة وأنه سوف يدعو إلى ترك عبادة الأوثان ، والدخول في دين اللّه الجديد ؟ وهل يمكن أن تقبل قريش بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وفيها رجال يغلب على طباعهم الحسد ، ولا يقبلون بأن يكون محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، أو غيره أعلى منهم مكانة ، وأسمى مقاما ، وأعزّ شأنا ؟ ! . . ورأت الزوجة الوفية أن تذهب إلى ابن عمها ورقة بن نوفل فهو على النصرانية ، وقد بلغ سن الكهولة ونضوج الفكر ، وعنده من علم الكتاب ما ليس عند غيره من قريش ، لعل ورقة قد يوجهها إلى ما يجب عليها أن تعمل تجاه زوجها ، حتى تكون أعمالها في غاية الكمال الذي يتناسب مع جو النبوة ، والرسالة الجديدة . وانطلقت السيدة المخلصة إلى حيث يقيم ابن عمها ورقة ،
--> ( 1 ) الجذل : الفرح والابتهاج .